الصدمة الأولى: كيف تحوّلت موسيقى المهرجانات من صوت هامشي إلى قضية عامة؟
لماذا شعرت الطبقة الوسطى بالتهديد من موسيقى المهرجانات؟
الجدل حول موسيقى المهرجانات لم يكن فنيًا بحتًا، بل كان في جوهره صدامًا ثقافيًا بين طبقات اجتماعية مختلفة. الطبقة الوسطى المصرية، التي اعتادت أن تكون “الوسيط الثقافي” بين النخبة والشارع، وجدت نفسها فجأة خارج المعادلة. المهرجانات لم تطلب اعترافها، ولم تمر عبر ذائقتها، ولم تحاول تلطيف لغتها أو تقديم نفسها بشكل “مقبول”. هذا التجاهل كان صادمًا؛ لأن ما أثار الغضب لم يكن الكلمات أو الإيقاع فقط، بل فقدان السيطرة الرمزية على ما يُعتبر “فنًا مشروعًا”.
تاريخيًا، لعبت الطبقة الوسطى دور الحارس الثقافي: تحدد ما هو راقٍ، وما هو هابط، وما يستحق الانتشار. ومع صعود المهرجانات عبر يوتيوب وساوندكلاود، انهار هذا الدور فجأة. لم يعد النجاح بحاجة إلى إذاعة رسمية، ولا موافقة نقدية، ولا غطاء مؤسسي. شاب من حي شعبي أصبح قادرًا على الوصول إلى ملايين المستمعين دون المرور عبر أي “بوابة شرعية”. هذا التحول ولّد شعورًا بالتهديد، لأن الذائقة لم تعد تُصاغ من الأعلى إلى الأسفل، بل من الأسفل إلى الجميع.
التهديد كان أيضًا نفسيًا. كثير من منتقدي المهرجانات لم يرفضوها لأنها “سيئة”، بل لأنها تعكس واقعًا لا يرغبون في مواجهته: لغة مباشرة، غضب مكشوف، فوضى، وضغوط اقتصادية واجتماعية بلا تزيين. المهرجانات لم تقدّم صورة مثالية أو رومانسية عن المجتمع، بل قدّمت مرآة خشنة. والمرآة عندما تكون صادقة أكثر من اللازم، تصبح مزعجة. هنا تحوّل النقد من نقاش موسيقي إلى خطاب أخلاقي: الحديث عن “الذوق العام”، و“الانحدار”، و“تشويه الهوية”، وهي مفردات تُستخدم عادةً عندما تفقد فئة ما قدرتها على الفهم أو الاحتواء.
الأهم أن هذا الصدام كشف خللًا أعمق: الطبقة الوسطى نفسها تعاني من تآكل موقعها. المهرجانات لم تُنتج هذا التآكل، لكنها جعلته مسموعًا. ومع كل مهرجان جديد يحقق ملايين المشاهدات، كان يتأكد أن المشكلة ليست في الموسيقى، بل في تغيّر موازين التأثير الثقافي داخل المجتمع المصري.
لماذا وجدت موسيقى المهرجانات جمهورها؟ (الحاجة للتعبير لا للتهذيب)
لفهم سبب الانتشار الواسع لموسيقى المهرجانات، يجب الخروج من سؤال “هل هذا فن جيد؟” إلى سؤال أعمق: ما الحاجة التي لبّتها هذه الموسيقى ولم تكن مُلبّاة سابقًا؟. المهرجانات لم تنجح لأنها راقصة فقط أو مختلفة موسيقيًا، بل لأنها جاءت في لحظة اجتماعية كان فيها قطاع واسع من الشباب يشعر بأن لغته، واقعه، ومشاعره غير ممثَّلة في الفضاء الثقافي السائد. الأغاني الرسمية، حتى الشعبية منها، كانت ما تزال تمر عبر فلاتر إنتاج وذوق ولغة لا تشبه الحياة اليومية في الأحياء المهمّشة، بينما جاءت المهرجانات بلا وسيط، بلا تهذيب، وبلا محاولة لإرضاء أحد.
الجمهور الذي احتضن المهرجانات لم يبحث عن الكمال الموسيقي، بل عن الاعتراف. الكلمات البسيطة، أحيانًا الفجّة، لم تكن ضعفًا بقدر ما كانت انعكاسًا مباشرًا للشارع: مفرداته، طريقته في السخرية، غضبه، وحتى تناقضاته. هذا النوع من التعبير لا يعمل بمنطق “الرسالة الفنية”، بل بمنطق “التنفيس الجماعي”. الأغنية هنا ليست عملًا يُستمع إليه في هدوء، بل مساحة صاخبة يُفرغ فيها المستمع ما لا يستطيع قوله في سياقات أخرى: ضغط اقتصادي، شعور بالتهميش، أو حتى رغبة في الفرح بلا تبرير.
تقنيًا، لعبت المنصات الرقمية دورًا حاسمًا. يوتيوب، ساوندكلاود، وتيك توك ألغت الحاجة إلى موافقة مؤسسات أو منتجين، وسمحت للمحتوى بالانتشار وفق معيار واحد فقط: التفاعل. هذا النموذج منح موسيقى المهرجانات ما حُرمت منه طويلًا: الوصول المباشر للجمهور. وعندما تكرّر التفاعل، تحوّل الصوت “الهامشي” إلى صوت حاضر بقوة، لا يمكن تجاهله أو احتواؤه بسهولة. هنا تحديدًا بدأ القلق المجتمعي: ما الذي يحدث عندما يصبح الذوق خارج السيطرة التقليدية؟
اجتماعيًا، تمثل المهرجانات لحظة كاشفة: هي تذكير بأن الفن لا ينشأ فقط في المسارح والمعاهد، بل في الأزقة، الأفراح، والسيارات المزدحمة. الجمهور لم “يُفسد ذوقه”، بل وجد أخيرًا محتوى يتحدث بلغته دون اعتذار. وهذا ما يفسر التناقض الظاهري: كلما زادت الانتقادات، زاد الانتشار. لأن الهجوم نفسه كان دليلًا إضافيًا على أن هذا الصوت خرج فعلًا من الهامش، وبدأ يفرض وجوده في قلب النقاش العام.
هل المهرجانات فنّ حقيقي أم مجرد ظاهرة عابرة؟ (سؤال القيمة لا الذوق)
أحد أكثر الأسئلة إثارة للانقسام حول موسيقى المهرجانات ليس إن كانت “مقبولة” أو “جميلة”، بل إن كانت فنًا بالمعنى الاجتماعي والثقافي أم مجرد موجة صوتية مؤقتة ستختفي مع الوقت. هذا السؤال في جوهره لا يتعلق بالموسيقى نفسها، بل بمعاييرنا في الحكم على الفن: هل يُقاس بالتعقيد التقني؟ أم بقدرته على التعبير عن واقع معيّن؟ أم بمدى استمراره وتأثيره الاجتماعي؟ في حالة المهرجانات، نحن أمام شكل فني لا يطلب الاعتراف من المؤسسات الثقافية التقليدية، بل يفرض وجوده من خلال الانتشار الشعبي والتأثير المباشر.
تاريخيًا، كثير من الأنماط الموسيقية التي تُعد اليوم “فنًا رفيعًا” بدأت كظواهر هامشية أو مرفوضة. الجاز، الراب، والروك جميعها قوبلت في بداياتها باتهامات بالضوضاء والانحلال وغياب القيمة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى تيارات معترف بها ثقافيًا. هذا النمط من الرفض المؤسسي تكرر مع أنماط موسيقية شعبية عديدة حول العالم، حيث يُكتسب الاعتراف الفني غالبًا من القاعدة الجماهيرية قبل المؤسسات الرسمية، وهو ما توضحه قراءة تحليلية معمّقة لظاهرة المهرجانات المصرية نشرتها منصة The Conversation
في هذا السياق، تسير المهرجانات على مسار مشابه، لكن داخل بيئة اجتماعية أكثر تعقيدًا: مدينة مزدحمة، فجوة طبقية واضحة، وشباب يفتقد قنوات التعبير الرسمية. من هذا المنظور، تصبح المهرجانات فنًا وظيفيًا؛ لا يسعى للكمال الجمالي، بل للصدق التعبيري. هي لا تقول “اسمعوني لأنني متقنة”، بل “اسمعوني لأنني موجودة”. هذا لا ينفي وجود تفاوت كبير في الجودة داخل الظاهرة نفسها، خصوصًا مع اتساع الانتشار ودخول حسابات الشهرة السريعة والتكرار التجاري، وهو ما غذّى كثيرًا من الانتقادات الموجهة لها.
الخلاصة التحليلية هنا أن السؤال الصحيح ليس: “هل المهرجانات فن؟” بل: ما الذي تكشفه المهرجانات عن المجتمع الذي أنتجها؟ طالما بقيت قادرة على التعبير عن واقع اجتماعي حقيقي، والتكيّف مع التحولات، فمن غير المرجح أن تختفي بسهولة. قد تتغيّر، تنضج، أو تنقسم إلى مسارات مختلفة، لكن وجودها نفسه أصبح دليلًا على أن الفن لا يُحدَّد من الأعلى، بل يُصاغ من الشارع… ثم يُفرض على الجميع.
ماذا تقول لنا موسيقى المهرجانات عن المجتمع أكثر مما تقول عن الموسيقى؟
الجدل المستمر حول موسيقى المهرجانات يكشف في جوهره عن صراع أعمق من مجرد خلاف ذوقي؛ إنه صراع حول من يملك حق التعبير، ومن يحدد معايير “القيمة” في المجال الثقافي. المهرجانات لم تفرض نفسها لأنها الأكثر تعقيدًا أو تناغمًا، بل لأنها جاءت من فراغ اجتماعي حقيقي: شباب يعيش ضغطًا اقتصاديًا، تهميشًا ثقافيًا، وغيابًا لمساحات التعبير الرسمية. في هذا السياق، تصبح المهرجانات وثيقة اجتماعية بقدر ما هي منتج موسيقي، تعكس لغة الشارع، توتراته، وأحلامه الصغيرة، حتى عندما تفعل ذلك بصوت صادم أو غير مريح.
ما يجعل هذه الظاهرة مثيرة للاهتمام ليس انتشارها فقط، بل قدرتها على تجاوز محاولات الاحتواء أو المنع. تاريخيًا، تُظهر دراسات الثقافة الشعبية أن الأنماط التي تنبع من القاعدة الاجتماعية غالبًا ما تقاوم التنظيم من الأعلى، لأنها لا تعتمد على الشرعية المؤسسية بل على القبول الشعبي. هذا ما توضحه تحليلات أكاديمية حول الموسيقى كأداة هوية وتمثيل اجتماعي، حيث تُفهم الأنماط “المرفوضة” بوصفها رد فعل على اختلالات أوسع في بنية المجتمع، لا مجرد انحراف فني.
في الحالة المصرية، المهرجانات أجبرت الجميع—نقادًا، مؤسسات، وجمهورًا—على إعادة طرح أسئلة غير مريحة: لماذا لا يجد هذا الصوت مكانه في القنوات الرسمية؟ ولماذا يشعر قطاع واسع من الشباب أن هذه الموسيقى تمثله أكثر من البدائل “المعتمدة”؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها فنيًا فقط، بل اجتماعيًا وثقافيًا. ولهذا، فإن محاولة تقييم المهرجانات بمعايير الذوق الكلاسيكي وحدها تُفوّت جوهر الظاهرة، لأنها تتجاهل السياق الذي منحها معناها وقوتها.
الخلاصة النهائية أن موسيقى المهرجانات ليست اختبارًا لذائقتنا بقدر ما هي اختبار لقدرتنا على فهم التحولات الاجتماعية من حولنا. قد يختلف الناس حول جودتها، لغتها، أو تأثيرها، لكن تجاهلها أو اختزالها في “ضوضاء” هو تجاهل لواقع اجتماعي كامل. المهرجانات، سواء استمرت بالشكل نفسه أو تحوّلت، أثبتت حقيقة واحدة: الصوت الذي يخرج من الشارع، عندما يكون صادقًا بما يكفي، يجد طريقه دائمًا—حتى لو حاول الجميع إسكاته.
